أحمد بن يحيى العمري

90

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

مكانك ، وطار به اسمك بعد وقوعه ، وارتفع له ذكرك عقب خضوعه ، وأفحمت به الرّجال ، حتى أذعن العالم وقلّد الجاهل ، وقالوا قول الصّوفيّة : يا دهشا كلّه ؛ فجارنا بفرسك ، وطاولنا بنفسك ؛ فقال : وما هو ؟ قلت : الحفظ إن شئت ، والنّظم إن أردت ، والنّثر إن اخترت ، والبديهة إن نشطت ؛ فهذه أبوابك التي أنت فيها ابن دعواك ، تملأ منها فاك . فأحجم عن الحفظ رأسا ، ولم يجل فيه قدحا ، وقال : أبادهك ؛ فقلت : أنت وذاك ؛ فمال إلى السيد أبي الحسين فسأله بيتا ليجيز ، فقلت : يا هذا ، أنا أكفيك ؛ ثم تناولت جزءا فيه أشعاره ، وقلت لمن حضر : هذا شعر أبي بكر الذي كدّ به طبعه ، وأسهر له جفنه ، وأجال فيه فكره ، وأنفق فيه عمره ، واستنزف فيه يومه ، ودوّنه صحيفة مآثره ، وجعله ترجمان محاسنه ، وعبر به عن باطنه ، وأخذ مكانه به ، وهو ثلاثون بيتا ؛ وسأقرن كلّ بيت بوفقه ، وأنظم كل معنى إلى لفقه ، بحيث أصيب أغراضه ، ولا أعيد ألفاظه ، وشريطتي ألا أقطع النفس ؛ فإن تهيأ لواحد ، أو أمكن لناقد ممن قد حضر ، يريد النظر ، أن يميز قوله من قولي ، ويحكم على البيت أنه له أو لي ، أو يرجّح ما أنضجه بنار الرويّة ، على ما أمليته على لسان النّفس ، فله يد السبق ، أو يكون غيرها ، فأعفى عن هذه المعارضة ، وتتنحّى لنا عن أرض المماثلة ، ويخلى لنا الطّريق لمن يبني المناربه ؛ فقال أبو بكر : ما الذي يؤمننا من أن تكون نظمت من قبل ما تريد إنشاده الآن ؟ فقلت : اقترح لكلّ بيت قافية ، لا أسوقه إلّا إليها ، ولا أقف به إلا عليها ؛ ومثال ذلك أن تقول : حشر ؛ فأقول بيتا آخره حشر ، ثم عشر فأنظم بيتا قافيته عشر ، ثم هلمّ جرا إلى حيث يتضح الحقّ ، وينتضح الزّرق ، وتستقر الحجة وتطرد ، وتستقلّ الشّبهة وتنطرد ، فيعرف الحالي من العاطل ، ويفرق بين الحقّ والباطل ؛ فأبى أبو بكر أن يشاركنا هذا العنان ، ومال إلى السيد أبي الحسين يسأله بيتا ليجيز ، فتبعنا رأيه